المنجي بوسنينة
486
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
ولم تكن هذه العلاقات وطيدة لولا أنّ أبا زكريا بن هذيل كان يتمتع بأخلاق حميدة ، وصفات حسنة ، ونفس زكية ، وقد أبلغ لسان الدين بن الخطيب في الثناء عليه ووصفه بكل جميل ، إذ يقول : « فما شئت من نفس عذبة الشيم ، وأخلاق كالزهر من بعد الديم » ، ويقول أيضا : « سابقا في كل ما أعاده وأبداه ، ما لم يزاحم في مداه ، ولا ظفرت به إلّا يداه ، إلى تحسين المجالسة وبيان الإلقاء ، والجمع بين معاملة الآباء ومعاملة الأصدقاء . ظفرت منه يدي بالنهر الذي آمن غائصه الدرك ، وجمع فيه القوم بين آخذ ومن ترك ، هذا يندم لزهده ، وهذا لما ترك من جهده ، فقل أن أتبجّح بغريبة إلّا وهي له اليوم منسوبة وعلي له محسوبة ، تعاهده الله تعالى من الرّحمة له بسحاب ومن الملائكة الكرام بترحاب » . لقد عاش أبو زكريا بن هذيل حياته كما وصفه لسان الدين بن الخطيب بقوله : « . . . إلى حسن العهد ، وسلامة الصدر ، وحفظ الغيب ، والبراءة من التصنع والسّمت ، مؤثّرا للخمول ، غير مبال بالناس مشغولا بخاصة نفسه . . . » ومع هذا فقد تعرض أبو زكريا إلى محنة أثيرت حوله ، فالرجل قد أغرم بالعلوم العقلية درسا وتأليفا ، وقد أربى على من تقدم من العلماء ، فهو خاتمة علماء الأندلس بالعلوم العقلية من طب وهندسة وهيئة وحساب ونجوم حتى لقب بالتعاليميّ لتعاطيه هذه العلوم وكثرة اشتغاله بها فكثر حساده وخصومه وقويت شوكتهم ، وساعدهم على الطعن فيه ابتعاده عن العلوم النقلية ، فنسبوا إليه جملة من التهم التي أزرت به ، وشنّعت عليه ، وجرحت عدالته ، فاتّهم بالخروج على شريعة الإسلام ، دخل السجن بسببها ، أو بسبب آخر نسب إليه ، وابن الأحمر خير من يصف تلك الحالة فيقول : « وفيه تقوّل وعلى الطعن فيه عول ، وبه غمزت الأندية ، وأجريت الأودية في مجال الطعن الشينية لا في رجال المعاني الزينية ، ولاستغراقه في العقليات واطراحه النجاة بالنقليات ، قيل بما شانه لما أعمل في الشيء الذي شأنه ، والله يعلم ما في طيّ الصّدور وما هو عليه المرء في الورود والصدور » . ولم يسلم أبو زكريا بن هذيل من هذه التهم حتى بعد وفاته بأكثر من عشرين سنة ، فعندما تعرض تلميذه الكاتب والمؤرخ الأندلسي الشهير لسان الدين بن الخطيب محمد بن عبد الله السلماني ( ت 776 ه / 1374 م ) إلى محنة أشبهت محنة شيخه أبي زكريا من الاتهام بالإلحاد والزّندقة والخروج على شريعة الإسلام ، نرى هذا الاتهام واضحا في الكتاب الذي رفعه أبو الحسن علي بن عبد الله بن الحسن النباهي المالقي ( كان حيا سنة 793 ه / 1391 م ) إلى مقام سلطان غرناطة ، ويقول فيه : « فإني أخاف عليكم ( على لسان الدين بن الخطيب ) من الإفصاح بالطعن على الشريعة ، ورمي علمائها بالمنقصة ، على عادتكم وعادة المستخف ابن هذيل شيخكم ، منكر علم الجزئيات ، القائل بعدم قدرة الرب جل اسمه على جميع الممكنات » . كان أبو زكريا بن هذيل من أعظم شعراء عصره ، بل هو من أعظم شعراء الأندلس وكتابها ، قد بلغ في النظم ذروة التفوق وفاق أقرانه في تنوع شعره وتفنن موضوعاته ، وكثرة